محمد أبو زهرة
408
المعجزة الكبرى القرآن
النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم في ذلك كثير وليس قليلا ، لأنه بيان الشريعة ، وتبليغ رسالة اللّه ، إذ إن التكليفات لا بد أن يبينها النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، ولا يتركنا إلا وقد بين ما يجب على المكلفين فعله ، وما يجب عليهم تركه ، إما بالنص عليه ، وإما بذكر ما يدل على أصل الشرع الذي يقاس عليه ، وتناط به الأحكام ، وتقام عليه مصالح الأنام ، وأحاديث الأحكام أكثرها في تفسير الآيات المتعلقة بالأحكام ، وأكثر الأحاديث المروية في هذا المقام ثابتة بسند صحيح تبنى عليه الأحكام بالتحليل والتحريم . 254 - والغزالي وغيره من العلماء الذين سوغوا تفسير القرآن بالرأي ، بل إن عبارتهم تومئ بوجوبه في غير موضع الأثر المروى عن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بسند صحيح ، هؤلاء قد منعوا التفسير بالرأي في موضعين يكون الرأي فيهما مذموما : أول هذين الموضعين أن يفسر القرآن بهواه ، أو أن يحاول حمل الآيات على مذهبه أو رأيه بأن يكون له في موضوع الآية رأى معين ، وله ميل له بطبعه ، فيتأول القرآن على وفق رأيه ليحتج به ، ولو لم يكن له ذلك المذهب ما كان يظهر له ذلك التفسير ، وإنه ليتجه ذلك الاتجاه ، ويؤول ظاهر الآية لتساير مذهبه ، وينزلها عن علياء بيانها إلى حيث رأيه . وأحيانا يفعل ذلك غير قاصد حمل الآية على مقتضى رأيه ، ولكن امتلاء عقله وقلبه بهذا الرأي يجعله يتجه إليه غير قاصد مجرد ترجيح مخيلته ، ويلبس عليه الأمر فيظن ما قاله ظاهرا ، وما هو بظاهر . فهذا بلا ريب تفسير بالرأي مذموم ، ويكون من المنهى عنه ، لأن القرآن الكريم فوق الآراء والمذاهب وليس خاضعا لها . وإنه من نوع تفسير القرآن بالهوى لا بالرأي المبنى على النظر الخالص لوجه الحقيقة . الموضع الثاني - الذي يكون فيه التفسير بالرأي مذموما - يكون في المسارعة إلى تفسير القرآن بظواهر الآيات ، والاقتصار على هذه الظواهر من غير تعرف للمنقول في موضوعها ، ومن غير مقابلة الآيات بعضها ببعض ، ومن غير تعرف للعرف الإسلامي الذي خصص بعض الألفاظ العربية ، ومن غير علم دقيق بأساليب الاستنباط من القرآن من حمل المطلق على المقيد ، والعام على الخاص ، ومن غير إدراك مواضع الإضمار والحذف والتقديم والتأخير . وغير ذلك من الأساليب البيانية القرآنية المعجزة .